الأربعاء، 12 مارس 2008

التواطؤ الجمييييييييل




خالد الدخيل

نقلا عن جريدة الاسبوع المصرية

موتور السيارة لا يعمل بدون زيت يسهل احتكاك الحديد ببعضه، كذلك الحياة، يلزمها القليل من الزيت حتي لا نأكل بعضنا البعض، وفي ظروف كهذه يصبح الكذب مثل الزيت مفيدا كي نستمر في الحياة.. اكذب علي نفسك علي الأقل لتقتنع أن بكرة أحلي من النهاردة، واكذب علي من حولك قليلا ليصبح دمك أخف وصوتك مسموعا، وتجنب الصراحة في أغلب الأوقات، شارك في هذا التواطؤ العام من أجل استمرار المسيرة، ولا تغضب أحدا سوي من لا تهتم بأمرهم.
في الموالد خاصة في الليلة الكبيرة، حيث الناس أمواج أمواج تتحرك بصعوبة

وببطء من شارع لشارع، ويحلو لبعض الصبية أن يدبروا مقالب يكون ضحاياها من هذه المجاميع الضخمة بأن يصرخ أحدهم مثلا 'حريقة.. حريقة'.. ويجري وسط الجمهور فتبدأ عملية التأثير بالايحاء لتجد الشارع كله وقد تحول إلي جماعات متلاطمة تجري بلا هدف، بينما يستلقي الصبية الأشقياء علي ظهورهم من الضحك.
التأثير بالايحاء يحكم سلوكيات كثيرة في حياتنا، مثل الضحك، أو البكاء أو حتي التحرش الجماعي في وسط البلد، ومتعة الفرجة علي فيلم كوميدي أو مسرحية مع جماعة أفضل من الفرجة الفردية كثيرا، والنكتة إذا ألقاها أحدهم فضحك أحدهم فسيضحك الباقي حتي لو كانت بايخة أو قديمة.
ويعد هذا منطقيا ولا يحدث ضررا إذا توقف التأثير عند حدود الضحك 'فما أجمل الضحك' أو عند البكاء والصراخ الجماعي في جنازة حارة، أو حتي عند الاقبال علي سلعة بعينها لأن الناس تقبل عليها أو......
لكن هذا التأثير يتمدد ويمتد وينتشر ويستقر في السياسة والصحافة وأشياء أخري، خاصة الصحافة بعد أن صرنا جميعا مشغولين بأشياء كثيرة ليس من بينها البحث والتدقيق قبل النشر.. حتي صارت الصحافة إما ناس بتشتم الحكومة أو ناس تدافع عنها، وصارت كل مشاكل المواطنين سببها الحكومة أو 'النظام'.
أما الأحاديث العادية المتبادلة بين الناس فتبدأ بالشكوي من المشكلة وتنتهي بالدعاء علي الحكومة واعطاء البلد نصيبها من الشتيمة، مع الأخذ في الاعتبار أن أغلب المتحدثين -إن لم يكونوا كلهم- لا يذكرون معلومة واحدة حقيقية بل كلها من عينة 'بيقولوا .....' ومن الصعب أن تعترض أو تفكر في السير عكس الاتجاه، ففي هذا خطر كبير، وربما يشتمونك أيضا كالحكومة.. وبالتدريج تتحول البداية الشعبية التقليدية لأي حوار وهي 'بيقولوا كذا .....' إلي ما يشبه القانون الذي لا يجوز حتي مناقشة بنوده.
جرٌب أن تقول كلاما مختلفا في مشكلة القرصاية مثلا أو حول غضب الأطباء والاعتصامات وخلافه، وصدقني ستسمع ما لا يرضيك، وفي الحد الأدني ستتهم بالخيانة وأنت لا تعرف خنت من مع من.
أغلب أرض القرصاية وضع يد وأصحابها أو أصحاب المشكلة استولوا علي المزيد من الأراضي بالردم وبغيره، وباع بعضهم أراضي لأثرياء عرب ومصريين وقبضوا الثمن.
وباختصار للمشهد بقية وأبطال آخرون غير أبو العينين والمناضلين دفاعا عن أرضهم..
ماذا يجري لو نوقشت المشكلة بعيدا عن ثنائية الخير والشر؟ وماذا سيضر الأطباء ومطالبهم إذا تساءلت عن كيفية تنفيذ تهديداتهم بالاضراب أو الاعتصام ونصف سكان البلد مرضي؟!
هل يمكنك أن تطالب الزملاء الثائرين المتابعين لمعركة الأطباء - الحكومة بالتقاط الأنفاس قليلا ومناقشة المشكلة بكل أبعادها بما فيها تراجع مستوي الطبيب المصري وتراكم أخطاء الأطباء القاتلة و.......إلخ.
لا يمكن طبعا، سيعتبرونك من بتوع الصحافة القومية، ولك أهداف أو قابض من وزير الصحة، رغم أن الوزارة تدفع المعلوم شهريا لكل الصحف بلا استثناء.. الصوت العالي يكسب، ولا يوجد أي وقت لدينا للتحقق من أي شيء، الأفضل أن نتابع فلان كتب إيه ثم نكمل.
هامش: لا يوجد في مصر سوي 3 أطباء 'مشهورين' يعالجون نوع من الأمراض الخطيرة، الأول عيادته في المهندسين ويتقاضي فيزيتا 200 جنيه، والثاني في الزمالك نفس الرقم والثالث في ميدان الجيزة ب120 لكنه أقلهم حظا لأنه ليس عضو هيئة تدريس.
العام الماضي فقط كان أبو 200 ب120 فقط، رفع بعد 6 شهور إلي 150 ثم 200 واللي مش عاجبه.... الحجز مقدما طبعا ودفع جزء من المبلغ لضمان الجدية ثم الموعد يتحدد بعد شهر علي الأقل إذا كنت من المحظوظين.
وخد لبالك أن العلاج يكلف ألف جنيه شهريا علي الأقل، وهذا المرض عمره طويل شوية قد يستمر في بعض الحالات لأكثر من عامين، وفي قوانين العرض والطلب تكون لدي المستهلك دائما حرية اتخاذ القرار بشراء السلعة من منتج آخر، أو بالاستغناء عنها إذا أمكن، لكن في ظروف المرض، ووسط تأكيدات أغلب المرضي بأنه لا يوجد أطباء محل ثقة إلا هؤلاء نصبح أمام أبشع صور الاستغلال، استغلال المرضي وظروفهم وحاجتهم للعلاج وعدم استعدادهم للمغامرة مع ندرة التخصص، والشهرة التي يحققها الأطباء الثلاثة من خلال لقاءات تليفزيونية شبه دائمة في برامج الصحة والأسرة وخلافه ... و... إلي من يتوجه المرضي - وهم كثير - بالشكوي؟! ومن في مصر كلها يمكنه حل هذه المشكلة؟!
• مراكز القوي
في مصر مراكز قوي غير منظورة لا يمكنك اغضابها أو استفزازها أو الخروج عن قواعدها إلا بثمن، خاصة إذا كنت محسوبا علي قطاع المثقفين، ولهذا ستجد نفسك في بعض القضايا تستخرج من جرابك مواقف سابقة التجهيز لترمي بها وتخلي ساحتك، فمن الصعب بل من المستحيل الخروج عن القطيع حتي لو كان عن اقتناع، ليصير أصحابك وزملاؤك مثل مراكز القوي.
'حنان ترك' ارتدت الحجاب ولن تعتزل التمثيل خبر عادي في أي دولة متقدمة ناسها وكتابها مشغولون بهموم التقدم والتطور وعينهم علي المستقبل.. من يوم حنان ما اتحجبت وقد تحولت إلي لوحة تنشين وصارت نجمة غلاف وخبرا رئيسيا في صفحات الفن كل ده مش مهم، هكذا صحافة الفن في بلادنا.. المهم.. أي جريمة ارتكبتها حنان عندما افتتحت كافيه للمحجبات فقط 'وقيل للمسلمات فقط'.
طوال الشهر الماضي صار هذا الكافيه الأشهر في مصر بسبب كثرة الهجوم عليه، ولا أعرف حتي الآن لماذا تحول اهتمام الصحف -بعض الصحف- لهذه النوعية من الكافيهات رغم وجود نوعيات أخري جديرة بالاهتمام فهناك كافيهات تحولت إلي مراكز لالتقاء الشواذ أو لتسهيل الدعارة وتجارة المخدرات وخلافه، ولم تجد من يهتم لأمرها ويكتب مهاجما أصحابها.
لكن كافيه حنان حظه حلو، فهو عنوان لحكاية مسلية ومعركة قوية بين المثقفين ورموز التطرف والعنصرية ولا يمكنك في ظروف كهذه أن تتساءل عن أهمية الموضوع كله، أو عن المخالفات الحقيقية التي ارتكبها جرسونات الكافيه، فاغضبت شعبا بحاله، فقط يمكنك أن تكمل في نفس الطريق حتي إذا كنت مترددا. تماما كما تفعل عندما يتحدثون عن مارسيل خليفة أو الشيخ إمام فلا تستطيع حتي أن تقول: محمد طه بيعجبني أكتر أو تعترف بأنك لم تسمع عن فيروز كراوية أو تعترف بجريمة أكبر وهي أنك لا تملك المجموعة الكاملة للشيخ إمام.
'صبايا كافيه' مكان مساحته بضعة أمتار لا يهم أحدا سوي أصحابه ورواده، فلماذا يتحول إلي قضية قومية تنقسم فيها البلد إلي معسكرين؟!
• حين ميسرة كمان وكمان
مازلنا مع مراكز القوي، ومع التأثير بالايحاء، نعرف طبعا أن بعض الزملاء يكتبون أحيانا عن أفلام لا يشاهدونها، وقد ضبط بعضهم متلبسا بهذا، الأهم أن تصنيفات المخرجين والأفلام عندما تستقر لا تتغير بسهولة، خاصة مع يوسف شاهين أو تلميذه النجيب خالد يوسف.. حاول أن تجرب وقل رأيك صراحة في أفلام خالد يوسف وشوف اللي هيحصل لك.
الأستاذ خالد يوسف مخرج جيد يعرف كيف يتعامل مع أدواته، قدم عدة أفلام أفضلها -من وجهة نظري - جواز بقرار جمهوري رغم أنه أفسده في المشاهد الأخيرة، وبسبب حكاية مراكز القوي هذه والتأثير بالايحاء وثقافة القطيع يتحول كل فيلم يقدمه خالد إلي حدث فني عظيم، يتباري النقاد في الاشادة به وابراز محاسنه، ويكاد بعضهم يقول: هي دي السيما ولا بلاش.
حاولت أن أفهم سر هذا الخط العالي الذي يتمتع به خالد يوسف وحده دون باقي أقرانه، شاهدت حين ميسرة مرتين ولم أفهم، تابعت ما ينشر من حوارات ومقالات وتحقيقات وأخبار عن الفيلم الذي لم يحدث في تاريخ السينما.. فلم أفهم.
ويبدو أن السيد خالد يوسف لديه سحر من نوع خاص يسيطر به علي كل هذه الأقلام فيمارس ما يشبه النقوط في الأفراح الشعبية، ولا يمكنك بأي حال أن تأخذ موقفا مختلفا.
خالد يوسف يقدم نفسه وأفلامه للنقاد وللجماهير باعتباره قوميا نمرة واحد، مثقف ويساري طبعا، وهو رفيق 'نضال' لعدد غير قليل من المثقفين، يجيد التحدث للصحف وأمام الكاميرات ويجيد الدعاية لأفلامه قبل أن يفكر في كتابتها.
قدٌم فيلما مباشرا ساذجا مثل العاصفة فأشادت به الدنيا كلها، واعتبروا الأخطاء والراكورات التي حدثت في الفيلم مجرد هفوات لمخرج مبتدئ عظيم.
قدٌم فيلما أمريكيا بالمسطرة هو خيانة مشروعة فلم نلتفت إلي هذه السرقة بسبب زيادة جرعات الحب والاعجاب، وعاد في 'ويجا' ليقدم خلطة بعضها أمريكاني وبعضها مستمد من 'سهر الليالي' وأيضا قوبل الفيلم بعاصفة من التصفيق والآهات.
في حين ميسرة، يمارس خالد يوسف عادته المحببة في القاء المحاضرات علي المشاهدين، لكن كانت المحاضرة طويلة شوية، قال فيها كل المنهج، من أول غزو الكويت حتي سقوط بغداد، مثقف بقي ومشغول بقضايا أمته، ولهذا فإن الفيلم فيه كل شيء أحوال المهمشين والعشوائيين - الغلابة اللي بتحبهم طبعا - وأطفال الشوارع والتوربيني والارهاب البوليسي وارهاب جماعات العنف والشذوذ الجنسي ومشاكل البلد كلها كلها في فيلم واحد.. بطلته سمية الخشاب.
في برومو الفيلم الذي يذاع حتي الآن يوجه صناع 'حين ميسرة' إهانة لا تغتفر للملايين من سكان العشوائيات لأن أخلاقهم يا عيني كده.. عد للفرجة علي البرومو من جديد ولاحظ كلمة عادي التي تظهر مكتوبة مع كل مشهد جنسي أو شتائم أو أي سلوك من سلوكيات هؤلاء الناس ال'بيئة'.
أذكر أن أسامة فوزي عندما قدم فيلم 'عفاريت الأسفلت' نال حظه من الهجوم القاسي لأن بطلات فيلمه كانت أخلاقهن مش ولابد أيامها لم يجد أسامة 'صاحب التحفة الجميلة بحب السيما' من يقف بجواره غير قلة قليلة حاولت أن تلفت الأنظار لأشياء أخري جميلة في الفيلم.
في حين ميسرة سكان العشوائيات ظهروا كما يراهم خالد يوسف وأعوانه، ناس بلا أخلاق، بلا دين، يعيشون مثل الحيوانات - حتي الحيوانات عندها قانون - وللأسف خذلهم المخرج جميعا، ولم ينتصر لأحد سوي التوربيني الذي جاء له بأنثي سمراء مثله، فكل الأبطال هزموا، ماتوا أو دفنوا تحت البلدوزر، ما عدا التوربيني ورفيقته وطفلهما فهما اللذان انتصرا فقط، هزما عدوهما وألقيا به من علي سطح القطار واستطاعا حماية ثروتهما 'الطفل' واختتم بهما الفيلم وهما ينظران للأمام نظرة كلها تحد وإصرار علي المقاومة.
طبعا هذا الكلام لا يصنف ضمن الخوف علي سمعة مصر فهذه لا تتأثر بفيلم سينما، كما أن أهم الأفلام في تاريخ السينما هي تلك التي اتهم أغلبها بتلويث سمعة وشكل مصر الحلو.
• متر x مترين
انتشرت في شوارع مصر الجديدة ومدينة نصر يافطات ملونة كبيرة في قلبها صورة لطفل جميل يحلم علي يافطة بأن يكون في مدرسته ملعب كرة وفي يافطة أخري يريد معمل كمبيوتر وفي الثالثة غرفة موسيقي وهكذا.
وفي الأسفل عبارة واحدة متكررة: مشروع 100 مدرسة.. ولا يمكنك أن تفهم المطلوب اثباته والفئة التي يخاطبها الإعلان الذي صمم بشكل شيك، هل هي الحكومة مثلا، فيدعوها الإعلان لبناء 100 مدرسة 'تاني' لتحقيق أحلام الأطفال 'وآبائهم طبعا' في تعليم محترم أم يخاطب المارة ليحضهم علي التبرع علي غرار حملات التبرع لمستشفي السرطان وغيرها.. لن تفهم، لكن أحدهم أعجبته اليافطة 'متر * مترين' فقرر أن يضعها علي كل عامود نور في مصر الجديدة ونصف مدينة نصر.. وهذا هو المهم.
إذا فكرت قليلا في التكلفة الحقيقية لهذه الحملة الضخمة ستصاب بالفزع، احسب كم تتكلف يافطة من النوع الفاخر من هذا الحجم الكبير بالألوان الطبيعية، ثم احسب كم يبلغ الايجار الذي دفع أو سيدفع لشركة الدعاية أو 'للمحافظة' مقابل وضع هذه الإعلانات، ثم احسب تقريبا عدد اليافطات وستجد أن ما أنفق حتي الآن للدعاية في الشوارع فقط غير الراديو والتليفزيون وخلافه، يكفي لبناء عدد من المدارس وليست مدرسة واحدة.








ليست هناك تعليقات: