الأربعاء، 11 يناير 2012

حربي وسيدي علي.. و18 نوفمبر


10-11-2011 | 01:34

خالد الدخيل

عندما دخل إلى ساحة المصلّى الصغير، اخترق صفوف العساكر وهو يبعدهم بيده حتى وصل إلى الإمام، زميلنا ودفعتنا الشيخ محمد، الذي كنا نطرب لصوته وهو يتلو القرآن في الصلاة ويسرح ونسرح حتى تدمع العيون..

وقف القائد إلى جوار الشيخ محمد وأشار له بإصبعه ليعود إلى صفوف المصلين.. فعاد

ارتبكنا ونحن ننفذ أمره (استقيموا) ولم يكمل بـ ( يرحمكم الله)... استغفرنا الله ونحن ننوي الصلاة بينما نتبرم من الإمام..

طالت الركعة الأولى كثيرًا وسيادة القائد فرحان بصوته وطريقة نطقه السليمة وصوته الخشن، كلما أعجبته آية أعادها مرة ومرات... أحسسنا أنه يتخير من الآيات ما يناسبنا كعساكر ويناسبه كقائد.. كنا نستغفر الله بين الركعة والسجدة ونسأله أن يقبل صلاتنا.

* * *

لا أعرف لماذا تذكرت العقيد (س) هذه الأيام، واستعدت ملامحه وهو يجلس على الفوتيه أمام غرفة القيادة، يقرأ القرآن ويتوقف كل بضعة دقائق لينادي على عسكري المراسلة، الجميل البسيط (حربي) ليوجه له أمرًا ما.. أو يرسله إلى الضباط ولاد الـ.... كي يخفضوا صوت التليفزيون بالكانتين... أو يوبخه لأنه نسي خرطوم الماء في الزرعة حول المبنى الذي يقيم فيه.. أو....

ويعود ليكمل بصوت عال بينما عيناه تجوب المعسكر بحثًا عن أي غلطة... ليتمتم "صدق الله العظيم"... ويصرخ: إنت يا حيوان.... يا عسكري... اجمع بالخطوة السريعة...

* * *

ولم أعرف سبب هروب حربي من الجيش.. فقد اختفى فجأة بعد أن اصطحبه معه في إحدى إجازاته ليحمل له الحقائب والأيس بوكس المتروس بالجمبري والكابوريا والبوري الذي يجلبه له الصيادون مجانًا طبعًا... عاد سيادة القائد ولم يعد حربي.. ولم يجرؤ أحد على سؤاله: أين عسكري المراسلة ولماذا هرب..!!

* * *

واستغفرالله العظيم... فقد هجرنا مسجد الوحدة... لم نعد نصلي هناك... وبعضنا لم يعد يصلي مطلقًا كما انشغلنا لآذاننا في بناء مبيت جديد للقائد والضباط وحمامات للعساكر ومطعم محترم ليستطيع سيادته دعوة زملائه من القادة بالمنطقة على الخراف والماعز المشوية التي يعشقها خاصة عندما تأتيه حية تصرخ على كتف أحد البدو بالمنطقة... يتركها يومين في رعاية وحراسة عسكري يتفرغ للمهمة... قبل أن يستمتع بذبحها على مرأى ومسمع من الضباط والعساكر ثم يأمر سعيد الطباخ بإعدادها للشواء.....

ويحكي بينما الجميع منصتون عن والده الباشا الذي كان فنانًا عظيمًا في الشواء... وعندما يمسك بالفخذ المشوي في يده يسيل منه الدهن يحلو له أن يحكي عن عنف الوالد وافترائه مع الفلاحين... يتمتم في آخر الحكاية "كان الله يرحمه عنده حق"

تراه بعد طابور الصباح مرتديًا البدلة المموهة الأمريكاني والنظارة الراي بان.. يقفز في رشاقة إلى جوار عبده سائق البيجاسو بينما يأمر كام عسكري بالقفز في الصندوق ليبدأ رحلته.

كان يتجول بين شوارع القرى بالمنطقة... ويجمع كل ما يريده لبناء المطعم ودورات المياه و...

أما السيراميك وتوصيلات الكهرباء والمياه والمراوح والنجف (أيوه النجف) فقد جلبناها نحن العساكر... الإجازة يمروحة أو نجفة أو 10 أمتار سيراميك... نحن العساكر الذين لم يذكر حرف عنا وهو يرافق قائده أثناء افتتاح المباني الجديدة... مزهوًا منتفخًا مثل الديك الرومي.

* * *

بعد سنوات قابلت حربي بالصدفة في سوهاج.. كان أول سؤال: إنت هربت ليه؟ وقال حربي: ونحن في مدخل الفيلا وأنا أحمل السمك والجمبري والبواب يحمل الحقائب... كان ابن البواب يلعب مع ابن القائد، ويناديه فرحًا :ياعلي ياعلي... توقف سيادته وأمسك بالطفل الصغير بعنف من ذراعه وصرخ في وجهه: اسمه سيدك علي.. فاهم... قول ورايا... سيدي علي.. قول سيدي علي... ويردد الطفل وهو "مفطوم من العياط": سيدي علي.. بينما يرمي نظره إلى سيده...

يكمل حربي: لم أتحمل النظرة وقطع قلبي بكاء الطفل بينما والده ينهره ويوضح له أن "العين ماتعلاش على الحاجب"

ألقيت بالأيس بوكس فافترش البوري والجمبري والكابوريا الأرض... نظر نحوي وقبل أن ينطق بأول شتيمة لكمته في وجهه... ظللت الكمه وهو ملقي على الأرض "وسط زفارة السمك"... وأنا أتذكر كل ليلة سوداء قضيتها بسببه... ولما شعرت أنه فقد الوعي هربت.

* * *

ما هي علاقة تلك الحكايات المملة بموضوع 18 نوفمبر، ومصر المحشورة بين الإسلاميين والمجلس العسكري والفلول؟ ماهي علاقتها بـ"بكرة بتاعنا وامبارح بتاعهم"؟ وأي منصب يتقلده الآن سيادة القائد وكيف يتعامل مع العساكر ومع الشعب.. وكم قائد يحمل بعض من هذه الصفات الذميمة؟

وكم "حربي "سيكون في ميدان التحرير يوم 18 نوفمبر؟ وكم حربي يدرك أن الثورة قامت من أجله هو...

ومن أجل الأطفال الذين قد يقابلون من يأمرهم بتسمية أقرانهم: سيدي علي... والآباء الذين قد يضطرون لضرب صغارهم أمام أسيادهم.. حتى يؤمنوا أن العين لا تعلو على الحاجب..

* * *

فبحق كل الظلم الذي تحمله الفقراء والضعفاء والمنبوذون والمضطهدون لا تدعوا الشمس تفلت من أيديكم هذه المرة... هاتوها ولا تدعوها تغادرالميدان مرة أخرى... حتى يقبل الغد طائعًا لطيفًا محبًا للفقراء والمتعبين.

دعونا نتأكد أن الفلول والمتأسلمين والمجلس العسكري والمتسلفنين والتجار والموالسين والخدم والحشم وأصناف الرجال وأراجوزات الإعلام واللجان الإلكترونية... كلهم كلهم... طلعوا جرافيك.


ليست هناك تعليقات: