19-10-2011 | 22:56
خالد الدخيل
كم يومًا مر على مذبحة 9 أكتوبر؟ وكم دمعة ذرفتها أمهات الشهداء وإخوتهم منذ رحلوا في صمت ولم يؤخذ بثأرهم؟
"هي البلد ما فيهاش راجل؟".. كان هذا سؤال عم "برتي" وهو يحاول إقناع عدد من جيرانه بفداحة الجرم الذي ارتكب على أيدي متهمين معروفين ومع سبق الإصرار والترصد.. وهو يحاول أن يفتش في قلوبهم عن بعض التعاطف مع الضحايا، بينما أغلب الجيران كانوا "يهرتلون" بكلام فاضي عن كرامة وهيبة الجيش وعن الأسرار التي لا يعرفها أحد ..سواء هم أو عم برتي وعن قتلى الجيش الذين لم يعلن عنهم خوفاً على الحالة المعنوية للقوات المسلحة..
أسوأ ما يمكن أن يفعله حاكم هو أن يستهين بعقول الناس ومشاعرهم، ويتعامل عنهم باعتبارهم مجموعة من السذج قدموا لتوهم من "البلد" على حمارة ويحلمون بشراء ميدان العتبة أو مترو الأنفاق.
الناس كبرت من زمان يا عسكر ..ولا يليق بهم أن تبرر مجزرة كبيرة ومؤلمة وخسائرها فادحة بهذه الطريقة، كان سيريحهم أن تبحث عن مبررات أكثر وجاهة وكلام يحترم عقولهم حتى لو كان كده وكده ...حتى لو كان كذبا، فالكذب في الكثير من الأحيان يكون أقل إيلاماً من اهانة العقول ..كان الأجدر بكم البحث عن كذبة متماسكة و"ماتخرش الميه" حتى تنطلي على الجميع، من يرددون كالببغاوات كلاما فارغا عن هيبة الجيش، ومن كتموا أحزانهم في صدورهم وانتظروا .. وهي أحزان لو تعلمون آثارها عظيمة وفتاكة، لكنكم اخترتم الطريق الأسهل واتبعتم سبيل من خلع، واعتبرتم ان الشعب عبيط وسينسى ما جرى .. وكم من فظائع ارتكبت بحقه وأدمت عينيه وقلبه، كم من جرائم أثكلت أمهات ويتمت أطفالا ورملت زوجات.. ونسيناها في غمرة الزحام، المصريون كانوا يعانون من فقدان متعمد للذاكرة طوال سنوات مضت.
لم يكن الشعب المصري "نسّاي" .. بل كان "مطنش" بمزاجه.. بمعنى آخر أكثر شعبية كان "منفض" للحكاية كلها ومركز يقضي الأيام السودا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا ..
وقد حدث
وفوجئ النظام وخدمه وحشمه وشماشرجيته، فوجئ العالم كله أن هؤلاء الذين كنا نشك في قواهم العقلية ونؤمن أن الحشيش قام بالواجب معهم، قاموا قومة واحدة فغيروا وجه العالم.
المهم الآن أن يدرك العقلاء ضمن من يجلسون على مقود الميكروباص أن الركاب لن يتحملوا اهانة السائق لهم طويلاً، وأن أحدهم سيجر الباقين الى ثورة قد تنتهي بإلقاء السائق بينما السيارة تسير وتكمل رحلتها.
المهم الآن عاقل يحترم عقول الناس واختياراتها، ورغباتها وتطلعاته ...يعرف جيداً أن الناس مبتهزرش المرة دي، وأن النار التي اشعلتها الثورة في الشوارع والميادين والبيوت وفي الصدور لن تنطفئ إلا بشروط .. وعلى هذا العاقل ( اذا وجد ) أن يستعين بصديق من رجال المطافئ ليتعلم منه ابسط قوانين الحرائق وطرق إطفائها، فربما يحترم ارادة الناس رغماً عنه..
المهم الآن أن يكون ضمن هذه المجموعة التي تمسك بالمقود من يدرك أنه لولا دماء شهداء الثورة لظل باقي عمره كما هو، وأن هؤلاء الثوار العظماء بمختلف انتماءاتهم ( وان كنت لا ارى سوى انتماء واحد للبلد ) وعقائدهم وميولهم وملامحهم جربوا واجتازوا حدود الخطر ، رأوا الموت بعيونهم وشموا رائحته بينما يحاولون منع تدفق الدماء من صدورهم، أو وهم يجمعون بقايا عظام احدهم من على الاسفلت، أو وهم يرددون الدعاء امام القبر ويعدون الشهيد بالاستمرار.
يجب أن يدركون وندرك أن الحكاية جد ويصدقوننا ونحن نقسم لهم بأغلظ الايمان أن اللعب على الطائفية سينتهي بمن يلعب الى مزبلة التاريخ..
الناس أذكى وأكثر شجاعة وبراعة وتطوراً وتفهماً واصراراً وإقداماً مما تظنون .. وتأجيلهم لمرحلة الانفجار شفقة بمن يتصدرون المشهد الآن، قيادات ومسئولين ووزراء ومحافظين وخدم وحشم وشماشرجية وصحفجية ونصابين وسماسرة .. لأنهم اذا قاموا فلن يعودوا للجلوس مرة أخرى إلا بعد تنظيف البلد باكملها، وكما تعلمون ونعلم، وكما قال سيد حجاب فإن أطهر قلوب الدنيا قلب الحريق وأصدق لسان ان كان لسان اللهب.
احتياطي وقود الثورة يكفي لسنوات قادمة طويييييييييييلة، وخزين الصبر للأسف أقل بكثير، فقد استهلكه المخلوع وعصابته وسحب ع المكشوف ..
ولا أحد سينسى الثأر ..
بسم الله الرحمن الرحيم
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ"
صدق الله العظيم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق